الراغب الأصفهاني

357

الذريعة إلى مكارم الشريعة

الظلم الظلم هو الانحراف عن العدل ولذلك حدّ بأنه : وضع الشيء في غير موضعه المخصوص به ، وقد تقدم أن العدل يجري مجرى النقطة من الدائرة فتجاوزها من جهة الإفراط عدوان وطغيان ، وإليه الإشارة بقوله تعالى : قَدْ ضَلُّوا ضَلالًا بَعِيداً « 1 » ، والانحراف عنها في بعض جوانبها جور والظلم أعم الأسماء ، ولما كان الظلم ترك الحق الجاري مجرى النقطة من الدائرة صار العدول عنها إما قريبا وإما بعيدا ، فمن كان عنه أبعد كان رجوعه إليه أصعب ، ولذلك قال تعالى : وَيُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالًا بَعِيداً « 2 » تنبيها أن الشيطان متى أمعن بهم في البعد من الحق صعب عليهم حينئذ الاهتداء ، ولأجل من فعل بهم الشيطان ذلك قال تعالى : أُولئِكَ يُنادَوْنَ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ « 3 » . وأما المستعمل معهم الظلم فخمسة وهم الذين يجب استعمال العدل معهم وقد تقدم ذكرهم ، الأول رب العزة الثاني قوى النفس الثالث أسلاف الرجل الرابع معاملوه من الأحياء الخامس عامة الناس إذا تولى الإنسان الحكم بينهم ، وقد قال بعض العلماء أظلم الناس من جار على نفسه ثم من جار على ذويه ثم من جار على كافة الناس ، وأفضلهم من عدل مع كافة الناس ، ثم مع عشيرته ثم مع نفسه وهذا قول وارد بنظر عامي ، فإن الظالم لا يكون ظالما لغيره حتى يظلم أولا نفسه ، فإنه في أول ما يهم بالظلم فقد ظلم نفسه ، فإذا الظالم أبدأ مبتدىء بظلم نفسه ، والعادل مع الناس إذا همّ بالعدل وتحراه فقد عدل مع نفسه قبل أن يعدل مع غيره ، وقد قال بعضهم الظلم ثلاثة : الظالم

--> ( 1 ) النساء / 167 . ( 2 ) النساء / 60 . ( 3 ) فصلت / 44 .